الذكاء الانفعالي

         يجب الاعتراف بأن عهد الاحتقار أو الاستصغار غير المعلن للعواطف و المشاعر قد بدأ في الانحصار,بعدما أثبت العلم الحديث أن تميز الفرد بعاطفة قوية و انفعالات عميقة ليس فيه أي عيب أو دليل على ضعف في الشخصية, مادام قادرا على اكتشاف تلك الانفعالات و المشاعر و الاعتراف بها و تحليل شكلها و تحديد عمقها بشكل دقيق, و تسخيرها لصالح علاقته بنفسه و بمحيطه, و جعلها وقودا يملأ خزان طاقاته الإبداعية المختلفة, الذي يستخدمه في تجسيد خططه و أهدافه في الحياة.

         

          أثبتت الدراسات النفسية الحديثة التي تزامنت مع التطور الهائل في أدوات الرصد و المراقبة و القياس,أن للعواطف و الانفعالات, و ردود الفعل الفكرية و الفسيولوجية المصاحبة لها آثار بالغة الأهمية في تحديد نوع علاقة الفرد بمحيطه الاجتماعي و المهني, و من ثم مستقبل العلاقة نفسها. و أثبت جل العلماء أن لمستوى الذكاء العاطفي الدور الأبرز في تحديد المستقبل العلائقي للفرد و إن كان هذا المستقبل مشرقا أم العكس. و فيما يلي نلخص بعض أهم الجوانب الاجتماعية التي يلعب فيها الذكاء الانفعالي دوره الحاسم, استنادا إلى ما توصلت إليه بحوث العلماء في هذا الشأن:

أ-الذكاء الانفعالي و العلاقة الزوجية:

             فالعلاقة الزوجية و مستقبلها مرهون – كما أثبتته الدراسات – بالخلفية العاطفية للزوج و الزوجة. فقد أكد جولمان على أن الاستعدادات و الصفات الانفعالية للرجل تختلف عن استعدادات المرأة بحكم الخلفيات الذهنية و العاطفية لكل منهما, و قد اعتمد في ذلك على بحث قامت بتلخيصه كل من “ليسلي برودي Lislie Brody ” و “جوديث هول Judith Hall ” يؤكد على أن الفتيات يتطورن في اللغة بسهولة و بسرعة عن الذكور و هذا ما يجعل الإناث أكثر حدة في إظهار مشاعرهن, و أكثر مهارة من الأولاد في استخدام الكلمات ليكشفن عن ردود أفعالهن العاطفية. أما الذكور ممن لا يتلقون تأكيدا لفظيا للمؤشرات التي يواجهونها, قد لا يدركون كثيرا حالتهم الانفعالية أو حالات غيرهم, و غالبا ما تكون المعارك الجسدية سبيل العنصر الذكوري للتعبير عن ردود الفعل الانفعالية بدل الألفاظ.

               لهذا يستنتج جولمان أن أغلب الخلافات التي تنشأ بين الأزواج مردها الاختلاف بين أنماط السلوك الانفعالي بين الجنسين من جهة, و جهل كل طرف بالخصائص العاطفية و المعرفية للطرف الآخر من جهة ثانية. لهذا يؤكد على أن الرجال الذين يمتلكون مهارات الإعفاء الجيد و التعاطف مع حالات الزوجات هم الأزواج الذين غالبا ما ينتهي بهم المطاف إلى كسب ثقة زوجاتهم و إطالة علاقاتهم بهن. إضافة إلى الأهمية القصوى لدور المناقشة التي تدور بين الأزواج حول المشاكل و المنغصات, إذ يوضح جولمان أن تقصير دورات المناقشة و تقديم الحلول العملية السريعة للمشاكل من طرف الأزواج, من أهم الأمور السلبية التي يجب تفاديها, لأن الزوجات عموما يرغبن في إطالة تلك المناقشات, فقط من أجل أن يشعرن بأن أزواجهن يصغون إليهن باهتمام, بغض النظر عن بساطة أو حتى سذاجة موضوع النقاش.

و الحقيقة أن معظم الأزواج لا يفهمون هذا التفصيل الصغير, و لا يدركون أن المرأة في العموم تلجأ إلى تضخيم بعض المشاكل فقط لترى زوجها مصغيا و متعاطفا و مانحا لها مزيدا من الوقت, فيميل هؤلاء الأزواج – إما عن جهالة أو عن قصد – إلى التهكم على المشاكل المطروحة للنقاش, و بأنها سخيفة و لا تستحق كل هذه الضجة من طرف الزوجة, فيكونون بذلك قد وضعوا حجر الأساس لفقدان الثقة و الشعور بالوحدة و النكد من طرف الزوجة.

لكن طبعا هذا لا يعني إعفاء الزوجات من المسئولية في التصدعات التي تصيب علاقتهن مع أزواجهن, إذ يشير العلماء إلى أن من أهم الأخطاء التي تقع فيها الزوجات عادة في مثل هذه العلاقات هي التهجم المباشر على شخصية الزوج عند حدوث أي أمر منغص, و كما يشير جولمان دائما, فإن عدم قدرة الزوجة على التفريق بين أي سلوك سلبي صادر عن زوجها و بين هذا الزوج كشخص, غالبا ما يدفعها إلى إطلاق عبارات التهكم و الاستصغار أو حتى الاحتقار في حقه, بدل انتقاد سلوكه بشكل لائق و محترم, و هو – حسب علماء النفس – من أكثر الأمور التي تمس الرجل في الصميم. فتجعله يفقد احترامه للزوجة مع مرور الوقت, بل و قد يكون أحد الأسباب للعنف المعنوي أو البدني أو حتى الخيانة الزوجية مستقبلا.

لذلك فإن أهمية الذكاء الانفعالي في هذا الجانب الجوهري في الحياة الاجتماعية, تكمن في معرفة الخصائص الانفعالية لكل من طرفي العلاقة الزوجية, و الاعتماد على هذه المعرفة القائمة أساسا على مهارتي التعاطف و إدارة العلاقات في توجيه العلاقة بين الزوجين في الاتجاه الصحيح.

بـ- الذكاء الانفعالي في الأسرة:

و كما يقول جولمان: “الأسرة هي المدرسة الأولى للتعلم العاطفي, فنحن نتعلم في هذا المحيط الاجتماعي كيف نتمعن في مشاعرنا و نحدد اختياراتنا كرد فعل لهذه الاستجابات”. و يرى جولمان أن هذه التربية العاطفية تتم عن طريق ما يقوله الآباء و يفعلونه و يقدمونه من نماذج في كيفية تعاملهم تجاه أبنائهم, و كيف يتبادلون المشاعر هم أنفسهم فيما بينهم.

فقد قام سالوفي و آخرون ببحث اقترح أن آباء الأطفال أو الأفراد الأذكياء عاطفيا يكونون حساسين انفعاليا لأطفالهم في وقت الحاجة العاطفية. و من بين أهم العناصر التي تنمي القدرات العاطفية للأطفال منذ سن مبكرة هي “المظاهر الأمومية التعبيرية”, أي ردود أفعال الأم على تعابير الطفل, إذ يوضح كل من “دنهام و غروت Denham & Groat ” عام 1993 في إحدى الدراسات, أن ردود الفعل التعبيرية للوالدين على انفعالات الأطفال يمكن أن تكون عوامل هامة لجعل الأطفال يعرفون أي اتجاهات السلوك تكون ملائمة, عندما يشعرون بأن هناك طرقا مختلفة يمكن استخدامها للاستجابة.

كما يكتسب الطفل الذكاء العاطفي عن طريق حديث الأسرة المفتوح عن المشاعر و الانفعالات التي تقوي وعي الطفل العاطفي, الذي يسمح له بتبني المعاني الملائمة و الشائعة ثقافيا حول الخبرة الانفعالية. لذلك فالأطفال الذين ينشئون في أسر يتكرر فيها الحديث حول الحالة الشعورية يُبدون أفضل في اتخاذ أحكام حول انفعالات الراشدين.

و هكذا إذن تبرز الأهمية التي تلعبها النظرات العاطفية و اللمس و المناغاة منذ مرحلة الرضاعة,إذ يستعملها الأبوين كلغة إشارات انفعالية و عاطفية,تعلم الطفل التواصل الوجداني و التعلق بالوالدين,و تمهد له الطريق لاكتساب قدرة فهم و تفسير الحالات الانفعالية للآخرين في سن مبكرة. يتبعها شكل العلاقة الزوجية بين الأبوين, إذ تبرز أهمية إبراز الأبوين الحب و الاحترام المتبادل بينهما أمام الأطفال, لتعزيز الشعور بالأمان و الثقة من جهة, و من جهة أخرى ليشكلا نماذج ممتازة عن شكل العلاقات الإنسانية الأنسب الذي يسعى الطفل لتشكيله مستقبلا. يضاف إلى كل هذا – و هو ما يعتبر طابو في مجتمعاتنا – الحديث و التعبير الصريح عن مشاعر الحب و الود داخل الأسرة,و الذي يعتبر سلوكا جد مهم في إكساب الطفل القدرة على وصف مشاعره و التعبير عن حالاته العاطفية بدل كبتها, إذ يتصل هذا السلوك مباشرة بالمعرفة الانفعالية, التي – كما أشرنا سابقا – تعد الركيزة الأساسية لمهارات الذكاء الانفعالي.

ج-الذكاء الانفعالي في المدرسة:

تقول السيكولوجية الجزائرية ” زبيدة الحطاط “أن: المجال المدرسي مجال نفسي و اجتماعي لا يمكن فصل الظواهر النفسية للأفراد فيه عن الظواهر الاجتماعية الخاصة بالمجموعات الصغرى التي تلتقي فيه و تتفاعل في إحداث الظواهر التربوية. فالمتغيرات السيكولوجية الخاصة بالأفراد من حاجيات و دوافع و أهداف و إدراكات, تلتقي بالمتغيرات الاجتماعية من منظومات القيم الثقافية, و هكذا يكون المجال المدرسي مجالا عاطفيا لسببين رئيسيين حسب الباحث “خوالدة محمود” و هما: 1- أن مجال المدرسة هو مجال معرفة, إذ لا يمكن أن نوجه أية آلية معرفية بدون عناصر وجدانية و عاطفية. 2- أنه – أي المحيط المدرسي – مجال علاقات إنسانية و حيث ما تكون العلاقات تكون العواطف.

فهذا جولمان يرى أن المدارس هي الأماكن الأولى التي يمكن أن تديرها المجتمعات لتصحيح القصور في الكفاءة العاطفية للتلاميذ, بما أن داخليها و مرتاديها يكونون مختلفين انفعاليا بحسب بيئة و خلفية كل فرد متمدرس. لهذا هي تضطلع بمهام التغيير اللازم من أجل سد الفراغات العاطفية- المعرفية التي خلفتها أساليب التنشئة الخاطئة أو الناقصة داخل الأسرة, و هنا تعتبر مهارات و قدرات الذكاء العاطفي لدى المدرسين عاملا حاسما في تأدية هذا الدور.

و يمكن الإشارة إلى أنه و في السنوات الأخيرة دأبت بعض الحكومات الغربية على وضع سياسات تربوية في مختلف المدارس و المؤسسات التعليمية, من أجل نشر و توسيع مفاهيم الذكاء العاطفي وسط المتمدرسين, عبر توطيد مؤهلاتهم و قدراتهم العاطفية “Emotional Aptitude “. و كمثال على ذلك المشروع الذي ترعاه الحكومة البريطانية, و الذي يقوم بتنفيذه باحثون و أكاديميون و القاضي بنشر المفاهيم و القيم الخاصة بالمهارات الاجتماعية و العاطفية, و نشر العادات الخاصة بها وسط طلاب و تلاميذ نحو ألف مدرسة ابتدائية في بريطانيا. و يقول “جيمس بارك James Park ” رئيس هذا المشروع أن جامعات أسترالية قد أبدت اهتماما بهذه الفلسفة التربوية, و هي متحمسة لنقلها إلى جامعات و مدارس أستراليا.

إن الهدف من كل هذه الجهود هو تثقيف الأطفال و التلاميذ و حتى المدرسين عاطفيا لمواجهة ما يُمكن وصفه في عصرنا الحالي بالأمية العاطفية “Emotional illiteracy ” من أجل تحسين تحصيلهم العلمي و الأكاديمي, بما أن العملية التعليمية هي عبارة عن تكامل و علاقة وثيقة بين الجانب المعرفي و الجانب الانفعالي.

د-الذكاء الانفعالي في أماكن العمل و المؤسسات:

إن التدخلات في آماكن العمل لتنمية الذكاء العاطفي تكون هامة لأن الكثير من البالغين يدخلون عالم الشغل بدون القدرات الضرورية للنجاح, فقد أجري مسح قومي في الولايات المتحدة الأمريكية للموظفين تبين منه أن أكثر من 50% من العاملين تنقصهم الدافعية للعمل و التعلم للتحسن في وظائفهم. و إذا ما علمنا أن الباحثين يقولون أن هناك فقط ما بين 10- 20% من التباين في اختبارات النجاح المهني يمكن إيعازه إلى قدرات معرفية, و أن عوامل النجاح المهني الأخرى و التي تقع ما بين 80- 90% فتعزى إلى النواحي الوجدانية و سمات الشخصية, يمكننا إذن تصور الأهمية القصوى التي تحتلها قدرات و مهارات الذكاء العاطفي في المجال المهني, كمنطلق لأي نجاح أو ازدهار تحققه المؤسسات المختلفة.

فالصناعة الأمريكية تنفق في هذه السنوات ما قيمته 50 مليون دولار سنويا على برامج التدريب الوجدانية بصفة أساسية. و عندما طُرح سؤال من “الشركة الأمريكية للتدريب و التطويرAmerican Society for training and developpment ” على مجموعة تتكون من خمسين شركة حول تفضيلهم التدريب و الأنشطة التنموية لتنمية الذكاء العاطفي لموظفيها, تبين أن أربعة من خمسة شركات أكدت أنها تفعل ذلك دائما.

و في هذا الصدد يظهر مشروع “التعلم الاجتماعي و العاطفي Social and Emotional Learning ” كعلامة على الجهود التي تبذلها الأوساط الأكاديمية الأمريكية عبر شبكاتها و منظماتها المختلفة, من أجل نشر مفاهيم و مهارات الذكاء العاطفي و المؤهلات الوجدانية في الأوساط المهنية المختلفة, من أجل تطوير قدرات الأفراد الذاتية في مجال العمل و الإنتاج, و كذلك تطوير شبكة العلاقات الإنسانية داخل النسيج المؤسساتي لمضاعفة مردوديته انطلاقا من علاقة الفرد مع ذاته و علاقته مع الأخر.

و هكذا نصل إلى خلاصة مفادها أن ذكاء الإنسان ليس مرهونا بتاتا بما يملك من مؤهلات أكاديمية أو مستوى جامعي راق, بقدر ما هو مرتبط أساسا بقدرته على فهم مشاعره و مشاعر غيره, و تسييرها لخدمة صحته النفسية و تطوير قدراته العقلية ذاتيا, و النجاح في علاقاته الاجتماعية و تطوير مجتمعه على هذا الأساس.

إن غالبية الأفراد في عصرنا الحالي, و بسبب الوتيرة السريعة التي يتميز بها, صاروا يفتقدون إلى قدرة المعرفة الانفعالية,بسبب عدم ملاءمة وتيرة و نمط الحياة العصرية المليئة بالمتطلبات الطارئة,مع مفهوم الاختلاء أو الجلوس مع الذات و التأمل في أحوالها و احتياجاتها الحقيقية, و الذي كان فيما مضى ثقافة قائمة بذاتها, حيث تم استبداله اليوم بنشاطات ترفيهية ذات طابع مادي و خيارات كثيرة مُغرية, تجر الفرد إلى التبعية النفسية و الانفعالية لها, على حساب استكشاف ذاته و رصد احتياجاتها الحقيقية, و هو ما عمل على تعطيل قدرة العقل الذاتية في فهم ذاته, و جعل قدرات الذكاء الانفعالي لدى إنسان القرن الواحد و العشرين تتراجع بشكل مقلق, فهل آن الأوان ليفكر كل شخص في هذه المسألة بجد ؟.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s