foot balle

التحلييل النفسي لكرة القدم 1/2

لا نعرف حقيقة أين يكمن السر في هذا الانهمام كله بلعبة ككرة القدم، فقد أصبحت ترصد لها مبالغ ضخمة جدا، وتحدد لها منافسات وطنية في كل بلد على طول العام، ومنافسات عالمية مختلفة، تصبح أحيانا مبالغ فيها كثيرا، وقد أعاد البعض هذا السبب، إلى ديمقراطية هذه اللعبة، حيث يمكن الحكم عليها من طرف الجمهور، كما يمكن مراقبة جميع ما يحدث فيها من طرفه أيضا، غير أن هذا البعد فيما يبدو لا يستطيع وحده أن يفسر لنا هذه القدرة للعبة على جذب اهتمام الملايين، إذ لا بد من وجود أسرار أخرى خلفها، سنحاول الكشف عنها، ضمن هذه الأسطر. إن السر الأساسي، يتمثل في قدرة هذه اللعبة، على الجمع بين أبعاد مختلفة ، في الشخصية الإنسانية ( فكرية، نفسية، حركية) وفي الجماعة ( تخطيط، تدريب، تنفيذ، أدوار، قرارات، …) ، وفي المجتمع الأكبر ( الجمهور بمطالبه) ، وبين نواحي مختلفة أيضا، شعورية واعية لدى الفريق ولا شعورية غريزية لدى الجمهور. وسنتناول هذه الأبعاد كل على حدا: البعد النفسي: ويظهر في شخصية اللاعب، حين يمكن الجمع بين القدرة العقلية ( كالذكاء، وشخصيته، والمهارات الحركية، وإمكانية التأثير في الجماعة – اللاعبين- الجمهور) وهو ما يتجلى في ظهور النجوم الذين يمتلكون قدرة كبيرة على التأثير في الآخرين. البعد الاجتماعي: ويظهر في عمل جماعة الفريق التي تعمل معا لتحقيق هدف واحد ، وعمل الجمهور، كمساند، أو معاد، حيث تتوفر إمكانية المقارنة مع الفريق الآخر، أو الجمهور الآخر. وهو ما يتيح للجماعة أن تتميز، وبأن تتشكل كوحدة واحدة، لها خصائصها ومميزاتها وأسلوبها، ومشاعرها، وقوتها أيضا. البعد التنظيمي: ويظهر في عمل الفريق كمنظمة، لها قائدها ( المدرب)، وأعضاؤها ذوي الأدوار المحددة ( حارس، مدافع، مهاجم، ) وفي العلاقات المتكونة بينهم، وفي الهدف المحددة، والخطة والتنفيذ المحكم لها، وفي التقييم الذي يأتي من بعد. البعد التشريعي القانوني: والذي يتجلى في مجموعة القواعد التنظيمية التي تحكم اللعبة والتي تكون مراقة من طرف الجميع، من طرف الجمهور ومن كرف اللاعبين، ومن كرف المدربين والحكام، وهو ما يعطي شرعية لكل حركة يقوم بها اللاعب، أو عدم شرعيتها، البعد الأخلاقي: إن الأبعاد السابقة، تتصاعد تدريجيا، لتؤسس لنظام أخلاقي في اللعب، ويتجلى ذلك، في تحريم بعض الأساليب في اللعب، أو الاعتداءات على اللاعب الآخر، أو الروح الرياضية كما تسمى، وكل هذا يؤسس لنظام أخلاقي في اللعبة، يؤدي الالتزام به إلى تحقيق مطالب الجمهور في رؤية الفضيلة والخير والجمال، حتى في أشكال بسيطة من التصرف التي لا نعير لها اهتماما لو كانت خارج مجال اللعبة فاللعبة تحمل جميع ما يميز الإنسان من خصائص، وما توصل إليه من تنظيم وقيم وأحكام وقوانين و أخلاق، ولهذا فهي تتميز بأنها تغطي الإنسان عموما من كل النواحي. ويمكن من جهة أخرى، أن نرى مقاربة أخرى للعبة، البعد الشعوري: إذ يمكن أن نشبه عمل الفريق والمدرب، بالعمل الواعي المنظم والذي يخضع للكثير من التدريب والتخطيط، والعمل ، والذي يسعى بشكل محدد إلى الفوز ،و الذي يحاول في غالب الأحيان إرضاء مطالب الجمهور. البعد اللاشعوري: ونجده لدى الجمهور ذي المطالب الغريزية البدائية ،و التي تحاول أن تجد متنفسا لها لدى اللاعبين من خلال اللعب. وهي مطالب لا تخضع للتنظيم ولا للقيادة ولا لآي شيء، سوى الصراخ والأهازيج. وهذان البعدان في اللعبة، مهمان جدا، إذ لا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر، ونلاحظ ذلك في كبارة تحدث بلا جمهور، أو مباراة لا تصل إلى تلبية مطالب الجمهور. الآلية النفسية للعب: من جهة أخرى، نرى بأن اللعبة أو المقابلة، من خلال تنفيذها على أرض الملعب، لا تحدث مرة واحدة، فهي تتطور تدريجيا من خلال اللعب، ما يوسع من فرص التنفيس لدى الجمهور، فرغباته تتطور وتتعاظم تدريجيا باقتراب الكرة من منطقة الخصم، ويحدث أن تصبح هذه الرغبات جنونية بدخول منطقة محددة في الملعب، ويوفر هذا للجمهور فرصة كبيرة، للصعود نحو آماله في التسجيل، وفي الجهة الأخرى، فإنه يجعل من الجمهور الآخر، في موقع حرج، قد يصل إلى مستويات عالية من الشعور بالخطورة و التهديد. وفي حال ذهاب الفرصة سدى، تنعكس بسرعة، آلية التفاعل الانفعالي. إن هذا لا يحدث مكانيا فقط بوجود الكرة على أرض الملعب، ولكنه يحدث أيضا زمنيا، بوصول زمن المباراة من نهايته. هنا نجد أن الآمال تتضاعف في الفوز أو التعديل، ويحدث العكس لدى الخصم الآخر. إن هذه الآلية في العمل هي ما يجعل من كرة القدم لعبة تفاعلية حقيقة، سواء من حيث الأبعاد التي تعتمد عليها، وهي جميع الأبعاد الموجودة في الشخصية، والمجتمع، أ و في الجماعة الصغيرة ذات التنظيم الهادف، أو من حيث التفاعلات التي تحدث أثناء اللعب، وهي تفاعلات نفسية وفيزيولوجية، وعصبية، على مستوى الجسم. تحليل الملعب: يشكل الملعب، ميدانا ملائما لكل المظاهر السابقة، فالتقسيم الذي يحدد منطقة الخصم ومنطقة الجزاء والحدود وغيرها، كل هذا يوضح بدقة حدود اللعبة، وقواعدها. كما يوضح ضرورة المكان معامل أساسي في اللعبة، فالمكان يتدرج من حيث الحرمة، من الوسط الذي يمثل منطقة مشتركة، إلى المكان ذي الخطورة القليلة، أو ذي الخطورة العالية، إلى المكان الذي يمثل ضمير الفريق وسره أو حرمته، وهو المرمى، الذي يجب الدفاع عنه بكل القوة المطلوبة، فالمكان ينقسم إلى مكان شخصي اجتماعي، وإلى مكان أيضا خارج اللعبة ، أو مكان محايد، حيث ينفصل المكان الذي يدخل في الم
افسة عن المكان الذي يمثل منطقة آمنة نهائيا، حيث تفقد اللعبة كل شرعيتها فيه، وهو خط التماس. وهو ما يوائم مطالب الجمهور الحقيقية، حين يؤسس للحرمة، من خلال السكن والحي والشارع، والمنطقة… أما على مستوى الجسد الإنساني الذي ينخرط في العلبة، فإننا نجد نفس العمل يتم عليه، فهناك أعضاء في الجسد محرمة من اللعبة كاليدين، وهناك أعضاء يمثل استخدامها، قمة الموهبة والتمكن، مثل الصدر أو الرأس، أو غيرهما، وهو ما يؤسس لتنظيم مكاني – جسدي، يتم وعيه من طرف الجميع…فالجسد هنا يظهر كحرية يشعر بها الجميع، ولكن ضمن إطار مقنن ومنظم. الكرة و والجمهور والحكم: لا بد من الإشارة إلى أن كرة القدم، هي بشكل ما، تطور غربي، كما سائر التطورات الأخرى في الفكر والثقافة والعلم، فقد كان العلم أسيراللاموضوعية، وكان الحكم أسيرا أيضا للإمبراطورية والملكية، وحين نشأت الديمقراطية بعد الثورة الفرنسية، فإننا لا بد أن نعي أن ذلك كان قد حدث في مستويات عدة، ومنها كرة القدم. فالملعب بشكله الراهن، هو تطو للميدان الروماني الذي كانت تتم فيه المصارعات بين العبيد، إرضاء لمطالب القتل التي كانت لدى الجمهور والغوغاء، ( يمثل فيلم كلادياتور تصورا مهما في قدرة اللعب ، حتى بالدم على خلق وإرضاء مطالب الانتصار لدى الغوغاء وأهميتها بالنسبة للحكم السياسي) وتمثل كرة القدم خاصة الملعب، تطورا في نفس الاتجاه، مع التحول الرمزي إلى اللعب بالرجل بدل اليدين التي كانت تحمل السيف والسلاح ( ربما تعود حرمة لمس الكرة باليد في العلبة إلى هذا الشعور بالذنب نتيجة القتل الذي حدث) وبالكرة الجلدية بدل السيف الحديدي، غير أن نفس المطالب لا تزال على حالها لدى الجمهور، وهي الرغبة في الانتقام والشعور بالزهو. كرة القدم من وجهة نظر الإسلام: ما موقف الإسلام من كرة القدم؟ ربما يبدو السؤال غريبا بعض الشيء، لأننا نعتقد بأن الكرة هي من الحياد بحيث يجعلها ذلك لا تحمل أي قيم ضمنية. والحقيقة أنها تحمل كما رأينا قيما إنسانية وغربية، وأهمها على الإطلاق، وهو ما لم نتحدث عنه بعد غلا بصورة مختصرة، هو العلاقة بين اللاشعوري والشعوري، اللامنظم والمنظم، وهو ما نراه في كثير من الأشكال، كالديمقراطية التي تتأسس على عملية الاختيار اللاشعوري، الذي يخضع للكثير من الاعتبارات القبيلة والحزبية والمصلحية، والمراحل التي تصلها فيما بعد للتأسيس لما هو منظم وواعي وذا عمل هادف ومخطط أي أشكال الحكم ومجالسه وهيئاته. أو الفيلم الأوروبي الذي يعمل على انتزاع ما هو منظم وواعي من الحدث الاجتماعي والثقافي الذي يتسم في كثير من الأحيان باللاتنظم والعشوائية. أو في عمل العلم في انتزاع الحقيقة العلمية كما تسمى من كل ما هو غير واعي( أشكال الطاقة السائدة في الطبيعة: الريح، الشمس، المواد، …) وتحويلها إلى أشكال نافعة ذات معنى( كهرباء، آلات نافعة، استهلاك…) إن هذه الآلية الغربية، أي استخلاص ما هو منظم مما هو عشوائي، نجد له صدى في كرة القدم، فالفريق حقيقة ينتزع كل طاقته في العمل مما هو غرائزي وبهيمي لدى الجمهور، إنه يربح على حسابه، كما يربح السياسي على حساب منتخبيه، وكما يربح المشاهير من توظيفهم لحيوات الآخرين،… فهل قيمية الإسلام تقود في اتجاه منطق كرة القدم ومنطق الحضارة الغربية؟… عمر مناصرية 2012/03/13 سنجيب عن هذا إن شاء الله في الجزء الثاني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s